النويري
290
نهاية الأرب في فنون الأدب
مع مليّات أخذت النار منها مأخذها فاسودّت ، وتطاولت عليها مدّة الجفاف فاشتدّت ؛ وترامت بها مدّة القدم ، كأنها في حيّز العدم ؛ صلاب المكاسر ، غلاظ المآزر ؛ تشبه أخلاقه [ 1 ] في هيجاء السلَّم ، وتحكى صلابة آرائه في نفاذ الرأي ومضاء العزم ؛ تكظم على الماء بغيظها ، فتجود على الأرض بفيضها ؛ تمدّ يد أيدها في اقتضاء إرادتها ، وتطلع طلوع الأنجم في فلك إدارتها ؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع ، فآخر التسليم أوّل التوديع ؛ على أنها تؤذن بحقائق الاعتبار ، وتجرى جرى الفلك المدار في قناة الأعمار : تمرّ كأنفاس الفتى في حياته وتسعى كسعى المرء أثناء عمره . يفارق خلّ خلَّه ، وهو سائر على مثل حال الخلّ في إثر سيره . ويعلمه التّدوار ، لو يعقل الفتى بأن مرور العمر فيه كمرّه . فمن أدركت أفكاره سرّ أمرها ، فقد أدركت أفكاره سرّ أمره . ومن فاته ، الإدراك أدركه الرّدى : إذا جرّعت أنفاسه كأس مرّه . » ومما وصفت به الجداول قال ابن المعتزّه عفا اللَّه عنه : على جدول ريّان ، لا يقبل القذى : كأنّ سواقيه متون المبارد . وقال الناجم : أحاطت أزاهير الرّبيع سويّة سماطين مصطفّين ، تستنبت المرعى . على جدول ريّان كالسّهم مرسلا ، أو الصارم المسلول ، أو حيّة تسعى .
--> [ 1 ] أي أخلاق المرسل إليه .